الأربعاء، 12 أكتوبر، 2011

حركة الشعر العربي الحديث.. النشأة


حركة الشعر العربي الحديث.. النشأة
حلمي سالم
نشأة الشعر العربي الحديث
- 1 -
بات من الثابت في الدرس السوسيو ثقافي، وثوق العلاقة الأكيدة بين التطورات السياسية الاجتماعية الفكرية في المجتمع، والتطورات الأدبية والفنية في هذا المجتمع.
وعلى الرغم من وثوق هذه العلاقة، بين التطور الاجتماعي والتطور الأدبي الفني، فإنها ليست علاقة مرآوية ميكانيكية تطابقية، كما كان يرى بعض علماء الجمال الماركسيين، فيما سبق، بل هي علاقة جدلية مرنة.
وفي ضوء هذه العلاقة الوثيقة بين تطور المجتمع، وتطورالأدب والفن سننظر إلى نشوء الشعر العربي الحديث.
ومصر هي البلد الذي سأتخذه النموذج الأغلب للفحص والتطبيق (مع إشارات عربية عامة)، وربما يعود ذلك إلى أن معرفتي بهذا النموذج هي أوسع من معرفتي بغيره من بلاد العرب، وربما يعود إلى اعتقادي أن التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية، هي مثال يلخص تلك التطورات في مجمل الوطن العربي.
- 2 -
بدأت مسيرة ما يسميه المفكرون "النهضة العربية الحديثة"، منذ قرنين من الزمن، وسواء كانت لحظة البدء في هذه المسيرة هي الحملة الفرنسية على مصر والشام (8971) - كما يرى بعض المؤرخين، أو كانت هي تولي محمد علي حكم مصر (1805) - كما يرى آخرون، فإن المؤكد أن بدايات هذه النهضة قد ظهرت مع أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر لا سيما أن اللحظتين (الحملة الفرنسية، وولاية محمد علي)، هما لحظتان متتاليتان متكاملتان، بحيث تشكلان في حقيقة الأمر لحظة واحدة كبيرة.
ويمكن- باقتراح من عندي - تقسيم هذين القرنين إلى ثلاث دورات كبيرة.
الأولى، هي التي تبدأ بالحملة الفرنسية، وتولي محمد علي الحكم، وتنتهي ببداية القرن العشرين، ولنحدد هذه الدورة بتاريخين معينين، هما: عام تولي محمد علي (1805) كبداية، وعام رحيل محمود سامي البارودي (1904)، أو عام معاهدة سايكس - بيكو (1916) كنهاية.
والثانية، هي التي تبدأ برحيل البارودي (1904)، أو معاهدة سايكس بيكو (1916)، وتنتهي بنكبة فلسطين (1948)، أو ثورة يوليو في مصر (1952).
والثالثة، هي التي تبدأ بنكبة فلسطين (1948)، أو ثورة يوليو (1952)، ولاتزال ممتدة حتى لحظتنا الراهنة، بتموجات مختلفة.
- 3 -
إن أهمية القرن التاسع عشر عندي تكمن في أنه القرن الذي بدأت فيه بشائر انتقال المجتمع العربي من الطابع التقليدي القديم (ذي العلاقات الإقطاعية بتعبير السياسيين)، إلى الطابع المدني الحديث (ذي العلاقات المدنية البورجوازية، بتعبير السياسيين)، بصرف النظر - مؤقتا - عن تشوهات هذا الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، وأوجه النقص العديدة فيه، وهو ما سنشير إليه لاحقا.
فماذا حدث في هذا القرن؟
شهد هذا القرن عددا هائلا من التحولات والتطورات والظواهر والتحركات السياسية والاجتماعية والثقافية، سنرصد منها عينة تمثيلية:
- ففي الأنفاس الأخيرة من القرن الثامن عشر حدث أول لقاء - أو صدام - بين الشرق والغرب، من خلال الحملة الفرنسية، حيث شاهد المصريون والشاميون القنابل (التي سماها الجبرتي القنبر)، وكانوا يواجهونها بالخيول. ورأوا المطبعة للمرة الأولى تطبع الكلام والمنشورات. وقامت في مواجهة الغزاة ثورتا القاهرة الأولى والثانية. وعرف المجتمع المصري ما صار يسمى بعد ذلك "النضال الوطني ضد المحتل"، واحتك العرب بمبادئ الثورة الفرنسية "الحرية والإخاء والمساواة" (وإن كانت ملوثة بدخان المدافع).
وهنا نسجّل أن هذا الالتباس بين الدانة والمطبعة، في إدراك العرب للحملة الفرنسية، سيظل واحدا من الانشقاقات المشوهة التي ساهمت في تشوه الانتقال العربي من المجتمع التقليدي القديم إلى المجتمع المدني الحديث، وسيظل عنصرا من عناصر تكرار النهضة والسقـــوط فـــي الفكــر العربي الحديث.
ومع خروج الحملة الفرنسية من البلاد العربية، كان مفهوم "الأمة" قد بدأ في التبلور، ومع تولي محمد علي الحكم - تعبيرا عن إرادة المحكومين - كان مفهوم "الشعب" قد بدأ في التكون. ومع إجراءات محمد علي في تثبيت حكمه وتوطيده كان مفهوم "الدولة" قد بدأ في الظهور على مسرح الحياة العربية.
وغني عن البيان أن المفاهيم الثلاثة (الأمة، الشعب، الدولة)، هي من المعطيات الرئيسية لدخول المجتمع العربي في العصر الحديث.
وعلى طول القرن نشأ جيش مصري عربي قوي بسلاح شبه قوي، وصل إلى مشارف آسيا وأوروبا. وأقيمت مدارس للترجمة عن العلم والفكر الأوروبيين، وذهبت بعثات إلى أوروبا - فرنسا خاصة - وعادت لتطور التعليم والجيش والري والمستشفيات والصناعات. من هذه البعثات انبثق رفاعة الطهطاوي الذي أصدر "الوقائع المصرية"، وترجم الدستور الفرنسي ونشيد الثورة الفرنسية، ووضع تجربة احتكاك الشرق بالغرب في كتابه العمدة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وهو واحد من الكتب المبكرة في النهضة العربية الحديثة التي أوضحت أن أطرنا التقليدية لا يمكن أن تستجيب لمستجدات التحضر، وأننا نستطيع أن نأخذ بأسباب التقدم والتمدن، من غير أن نفقد خصوصيتنا أو هويتنا الذاتية، ولعل ذلك الفهم المستنير كان بذرة أساسية استندت إليها الآداب والفنون العربية، فيما بعد، في إنجاز نقلتها الكبيرة.
بالتوازي مع الطهطاوي، كان هناك شبلي شميل الذي ترجم "النشوء والارتقاء" لدارون، الذي صدر عام 1884، وفرح أنطون الذي أكد أن إصلاح الأرض مسألة علمية، لا مسألة دينية، وأن أورشليم القديمة يجب أن تفسح في المجال لأورشليم الجديدة. وهو الذي أعلن أنه "لا مدنية حقيقية ولا عدل ولامساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم إلابفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية".
- 4 -
توالت بعد الطهطاوي الارتعاشات السياسية والاجتماعية والفكرية: علي مبارك ودوره الثقافي والعمراني، تكوّن أول مجلس نيابي في مصر الحديثة، إنشاء أول أوبرا في الشرق.
ثم كانت ثورة عرابي (1881) مفصلا أساسيا من مفاصل ذلك القرن، وهي كذلك عندي لأربعة أسباب:
الأول: أنها دشَّنت ظاهرة تدخل الجيش في السلطة في تاريخنا الحديث، هذا التدخل الذي سيظل طوال النهضة العربية الحديثة يمثل إشكالية تاريخية غير محلولة، ومعضلة من معضلات الدولة الوطنية في الأقطار العربية.
الثاني: أنها الانتفاضة التي اعتبرها المفكرون التقدميون المصريون الحلقة الأولى من الحلقات الثلاث للثورة الوطنية الديموقراطية المصرية في العصر الحديث، الثانية هي ثورة سعد زغلول (1919)، والثالثة هي ثورة عبدالناصر (1952).
الثالث: أنها كانت تجليا من تجليات التمرد على استبداد الأسرة العلوية (أبناء محمد علي)، والسعي إلى المساواة بين الناس "الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وما صاحب ذلك من نزعة "الوطنية المصرية" في مواجهة الشركسيين الأغراب، ومن نزعة "مؤسسية" في وضع نواة للدستور وللمجالس التشريعية.
الرابع: أنها أنتجت للحياة الفكرية المصرية والعربية أربع شخصيات كبيرة كان لها أثر عميق في التحولات الثقافية والأدبية في العقود التالية، مما شكل مهادا أوليا لثورة الشعر العربي الحديث.
الشخصية الأولى: محمود سامي البارودي (رب السيف والقلم)، الذي اضطلع بمهمة استعادة القوة الرصينة، والديباجة المكينة للشعر العربي التقليدي، بعد عصور من التردي والضعف.
الشخصية الثانية: جمال الدين الأفغاني الذي انتصر لحرية الرأي ولشرعية "الآخر"، وأسس "العروة الوثقى"، كأول منبر إعلامي مستقل عن السلطات الحاكمة والمؤسســات الرسمـــية فــي العصر الحديث.
الشخصية الثالثة: محمد عبده، الذي وضع الكتاب التأسيسي الثاني (بعد كتاب الطهطاوي: تخليص الإبريز)، وهو كتاب "الإسلام بين العلم والمدنية"، شارحا إمكان استجابة الإسلام (في وجهه التجديدي المتفتح)، لشروط التقدم البشري ومتطلبات الحياة المعاصرة، ومحمد عبده هو الذي وصل باحترام حرية الآراء إلى قوله: "إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر"، وهو الذي أكد أن الإسلام ليس فيه "دولة دينية".
الشخصية الرابعة: عبدالله النديم، الذي واصل فكرة المنبر الإعلامي الثقافي المستقل عن المؤسسات الرسمية، عبر مجلته "الأستاذ" ثم "التنكيت والتبكيت"، من ناحية، والذي شد الشعر والأدب إلى دور شعبي تحريضي متصل بهموم المواطنين (ستكون تلك سمة من سمات تيار من تيارات ثورة الشعر العربي الحديث في منتصف القرن العشرين)، من ناحية ثانية، والذي أضاف آلية التهكم أو "الساركازم" إلى الأسلوب الأدبي (ستكون هذه الآلية إحدى آليات الشعر العربي الحديث) من ناحية ثالثة. وهو الذي جسَّد مبكرا في ثقافتنا المصرية الحديثة نموذج "المثقف العضوي"، المطابق بين النظر والعمل، الماشي بين الناس - أدبيا وحركيا - معبرا عن أشواقهم الملموسة، محتميا بينهم بدفء الجماعة.
وسيذكـــــر النديم بعد ذلك كثـــــيرا في شعـــــــر عبدالصــــبور وحجــــازي ونجـــــيب ســـرور، وسيكون - كالطهطاوي - محور مسرحيات طليعية عديدة، باعتبارهما من "بشاير التقدم".
- 5 -
حفل العقد الأول من القرن العشرين بأربع وقائع كبيرة، كان لها تأثيرها الملحوظ على الحراك السياسي والفكري والثقافي في العقود الخمسة التالية، أي حتى بدء الدورة الأخيرة من الدورات الثلاث التي قسمنا إليها قرني النهوض - أو شبه النهوض - العربي الحديث:
الواقعة الأولى: هي وفاة محمود سامي البارودي (4091)، وهو ما يعني أن مهمة إعادة العمود الشعري التقليدي إلى استوائه السابق، وعافيته القديمة قد تمت، بحيث صارت الأرض جاهزة لأي موجات تجديدية تالية، تتواكب مع طبيعة اللحظة التاريخية الراهــــنة. لقـــد صـــارت الأرض ممهدة - بعد استئناف كلاسيكي قصير مع شوقي والزهاوي والرصافي - لتجربة المهجريين العرب، ولتجربة جماعة "الديوان" ولتجربة مجلة "أبوللو" وسائر المدرسة التقليدية الرومانسية.
الواقعة الثانية: هي معاهدة "سايكس - بيكو" التي قسمت تركة "الرجل المريض" (الدولة العثمانية التي تشيخ) بين إنجلترا وفرنسا؛ فحصلت إنجلترا على مصر والسودان وفلسطين والأردن والعراق، وحصلت فرنسا على المغرب العربي كله (فضلا عن الجزائر سلفا) ، والشام الكبير: سوريا ولبنان.
على أن كارثة "سايكس - بيكو" انطوت على فائدتين عظيمتين لمسيرة التطور العربي الحديث:
أولاهما: تخلُّق وتنامي الشعور الوطني المعادي للاستعمار (الإنجليزي والفرنسي - فضلا عن التركي نفسه)، وتشكل الجماعات والأحزاب الوطنية المطالبة بالتحرر والحرية، وهو ما لبث أن تجلى في هبّات وطنية شعبية ومحاولات للاستقلال عديدة.
ثانيتهما: الاحتكاك المباشر مع ثقافة المحتل وعلمه وتقدمه التكنولوجي والمدني، الأمر الذي كوّن نخبة سياسية وثقافية وتقنية، وسرّب المفاهيم الليبرالية والدستورية والقانونية إلى النخبة والعامة في المجتمعات العربية المحتلة.
إن هذا الاحتكاك المباشر مع ثقافة المحتل كان ذا نتائج إيجابية على التطور الثقافي والإبداعي لبعض البلاد العربية، لا سيما في المغرب العربي ولبنان، حيث كثرت الهجرات إلى فرنسا، وكثرت الكتابة بالفرنسية، وهو ما أنتج ظاهرة "الفرانكفونية" في الكتابة العربية الحديثة، التي أهدتنا، مالك حداد وكاتب ياسين ورشيد بوجدرة وألبير قصيري وجويس منصور.
وليس من ريب في أن الثقافة الفرنسية ستكون - بعد سنوات - عاملا من عوامل ظهور أدونيس (التي نقل بها السريالية الفرنسية إلى حركة الشعر العربي الحر)، وجورج حنين وعبد اللطيف اللعبي ويوسف الخال وغيرهم من رواد حركة الشعر الحر، وأن الثقافة الإنجليزية كانت عاملا من عوامل ظهور بدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور وسلمى الخضراء الجيوسي ونازك الملائكة وغيرهم من رواد حركة الشعر الحر.
الواقعة الثالثة: هي ترجمة سليم البستاني لإلياذة هوميروس (1904)، ليبدأ بعدها توجه ثقافي عربي كثيف نحو التراث اليوناني - فلسفة وأساطير وفكرا جماليا - يرفده توجه إلى أساطير الشرق البابلية والكنعانية والآشورية. الأمر الذي سيشكل - بعد ذلك - خيطا رئىسيا من خيوط حركة الشعر العربي الحر، حيث ستزدهر أساطير التموزيين والكلدانيين والفينيقيين (لا سيما في شعر السياب وأدونيس).
هذا السياب يتغنى بـ "تموز وجيكور" فيقول:
"نابُ الخنزير يشقّ يدي
ويغوص لظاه إلى كبدي
ودمي يتدفقُ، ينسابُ:
لم يغدُ شقائقَ أو قمحا
لكن ملحا
"عشتار" وتخفقُ أثوابُ
وترفُّ حيالي أعشابُ
من نعل يخفق كالبرقِ
كالبرق الخلّب ينسابُ"
الواقعة الرابعة: هي نشأة الجامعة المصرية (1908) بجهود أهلية تكافلية تؤكد حضور بذور أصيلة للمجتمع المدني، لاسيما بعد أن رأسها أحمد لطفي السيد أبرز أقطاب الفكر الليبرالي آنذاك، الذي قدم استقالته بعد ذلك تضامنا مع طه حسين في أثناء أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي".
- 6 -
بعد العقد الأول المثير من القرن العشرين، توالت التطورات السياسية والوطنية والفكرية والثقافية حتى منتصف القرن، وسأوجز أكثرها أهمية وتأثيرا كما يلي:
- ثورة 1919 التي قادتها الطبقة المتوسطة المصرية، والتي شكلت الحلقة الثانية من حلقات الثورة الوطنية الديموقراطية المصرية، والتي رفعت شعارا علمانيا مدنيا تاريخيا هو "الدين لله والوطن للجميع"، محققة حالة رفيعة من التسامح الديني والاعتراف بالتعدد، والتي ساهمت في "عودة الروح" الوطنية، والتي أنتجت أجواؤها الليبرالية كتاب علي عبدالرازق "الإسلام وأصول الحكم" (1926)، وكتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" (1927).
وعندي أن هذه الكتب الثلاثة قد ساهمت مساهمة مؤثرة في دفع حركة التجديد في الشعر العربي في العقود التي عاصرتها والتي تلتها، وذلك بما أقرته هذه الكتب من رفض للثيوقراطية واللاهوت، ومن التأكيد على أن الأدب هو ابن لمجتمعه، ومن تدعيم الاجتهاد الفكري والفني، ومن تكريس التعدد وحرية الفكر في مواجهة الواحدية والاستبداد.
- دستور 1923، الذي كان ثمرة عليا من ثمار ثورة 1919، بما تضمنه من حقوق مدنية وتشريعات حقوقية قانونية، ومن كفالة حرية الرأي والاعتقاد، وهو ما اعتمد عليه المحقق في تبرئة طه حسين في مواجهة دعاة الدولة الدينية وشيوخ النقل المعادين للعقل.
كان قرار رئيس النيابة الذي يحقق مع طه حسين (اسمه محمد نور) يقول في حكمه التاريخي: "إن للمؤلف فضلا لا ينكر في سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين، وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواقع إنما أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريا".
- ثورة عام 1936 في فلسطين ضد الانتداب البريطاني، وهي الثورة التي أيقظت الشعور الوطني الفلسطيني، ونتج عنها ثقافيا ظهور الحركة الرومانتيكية الوطنية في الشعر التقليدي الفلسطيني، متواكبة مع الحركة الرومانتيكية التقليدية العربية في المهجر والديوان وأبوللو. وكان على رأس هذه الحركة الرومانتيكية الفلسطينية إبراهيم طوقان وأبوسلمى وفدوى طوقان.
- الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، وما شهدته من أهوال هائلة (مثل قنبلتي هيروشيما ونجازاكي)، وما تركته في نفوس العرب من إحساس مرير بسبب حرب "لا ناقة لهم فيها ولا جمل"، الأمر الذي ولّد إحساسا بالضياع، وخلّف أزمة وجودية إنسانية عاتية، شكلت خيطا من خيوط التجربة الشعرية التي اندلعت للتو، باسم حركة الشعر الحر.
- نشأة جامعة الدول العربية (1945)، التي غذَّت الشعور "القومي" عند العرب، وهو ذلك الشعور الذي كان قد بدأ بذورا صغيرة بعد معاهدة "سايكس - بيكو"، التي قسمت البلاد العربية - في مطلع القرن - إلى أقطار إدارية مختلفة، لكنها وحدت الوجدان العربي عاطفيا ونفسيا، في حركة معاكسة لفعل التقسيم الجغرافي.
وقد صارت "الفكرة القومية" التي بلورتها تنظيميا الجامعة العربية، ملمحا جوهريا من ملامح حركة الشعر الحر، بعد سنوات قليلة، لاسيما بعد ظهور ثورة يوليو 2591، بنزعتها القومية الواضحة (تجلى ذلك ناصعا عند بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وأحمد عبدالمعطي حجازي ونزار قباني وعبدالعزيز المقالح).
بل إن قصيدة نازك الملائكة "الكوليرا" - التي تعد واحدة من القصائد الرائدات في حركة الشعر الحر - هي تشخيص عميق لـ "الفكرة القومية" لدى رواد الشعر الحر، إذ كتبت الملائكة هذه القصيدة تضامنا مع أهل مصر، الذين عانوا وباء الكوليرا في أوائل (1947)، حيث:
"الكوليرا
في كهف الرعب مع الأشلاء
في صمت الأبد القاسي
حيث الموت دواء
استيقظ داء الكوليرا
حقدا يتدفق موتورا
هبط الوادي المرح الوضاء
يصرخ مضطربا مجنونا
لا يسمع صوت الباكينا
في كل مكان خلَّف مخلبُه أصداء
في كوخ الفلاحة في البيت
لا شيء سوى صرخات الموت
الموت الموت الموت
في شخص الكوليرا القاسي
ينتقم الموت"
- صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من الأمم المتحدة (1948)، الذي أكد الحقوق الجوهرية للإنسان. وعلى رأسها الحق في الحياة وحرية الرأي والعقيدة، وحق الأمن والتعليم والصحة والمسكن والطعام والكرامة الفردية، وغير ذلك من حقوق كانت هي نفسها أهداف الحركة الوطنية العربية، كما كانت مدار القيم الفكرية والإنسانية التي تمحورت حولها حركة الشعر العربي الحر، التي انطلقت متزامنة مع هذا الإعلان.
يتأكد هذا التجادل حينما نلتقي بأبيات نزار قباني التي بعنوان "لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الإنسان":
"مهاجرون نحن من مرافئ التعب
لا أحد يريدنا من بحر بيروت إلى بحر العرب
لا الفاطميون ولا القرامطة
ولا المماليك ولا البرامكة
ولا الشياطين ولا الملائكة
لا أحد يريدنا
في المدن التي تقايض البترول بالنساء
والديار بالدولار، والتراث بالسجاد،
والتاريخ بالقروش،
والإنسان بالذهب
وشعبُها يأكل من نشارة الخشب
لا أحد يريدنا
في مدن المقاولين، والمضاربين، والمستوردين،
والمصدّرين، والملمعين جزمة السلطة،
والمثقفين حسب المنهج الرسمي،
والمستأجَرين كي يقولوا الشعر،
والمقشِّرين اللوز والتفاح للملوك،
*******
والمخوِّضِين في دمائنا حتى الرُّكب
لا أحد يقرؤنا
في مدن الملح التي تذبح في العام ملايين الكتب
لا أحد يقرؤنا
في مدن الملح التي تذبح في العام ملايين الكتب
في مدن صارت بها مباحث الدولة
عراب الأدب".
وقد جسَّد الشعر العربي الحديث - وعكس - العديد من شعارات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في حركة تبادلية من التأثر والتأثير: فوجدنا قيمة التحرر والحرية عند السياب وأدونيس ودرويش، ووجدنا قيمة العدل الاجتماعي عند عبدالصبور وعبدالوهاب البياتي، ووجدنا رفض الاستبداد عند سعدي يوسف ونزار قباني ومحمد الماغوط، ووجدنا قيمة "الذات" عند أنسي الحاج ويوسف الخال.
- نكبة فلسطين (1948)، وهي النكبة التي فجرت في قلوب النخبة العربية (السياسية والثقافية، بل والعسكرية) شعورا بالمرارة والخزي والغضب، وباستحالة استمرار الأوضاع المزرية للأنظمة العربية المستخزية على ماهي عليه من ضعف وتهاون وهوان. وقد عبر بعض الشعراء العرب الرومانتيكيين - قبل ثورة الشعر الحر - عن هذه المـــرارة وذلك الغضــــب، على نحو ما نجد عنـــد أبي سلمى وطوقان وعلي محمود طه، الذي صرخ:
أخي جاوز الظالمون المدى       فحق الجهاد وحق الفدا
وذلك قبل أن تندلع حركة الشعر الحر، لتكون مأساة فلسطين دافعا من دوافع هذا الاندلاع، وموضوعا رئيسيا من موضوعاتها، ومحورا لتبلور تيار شعري كامل داخل ثورة الشعر الحر، هو تيار "شعر المقاومة" الفلسطينية، الذي برز فيه - بعد أبي سلمى وطوقان - توفيق زياد ومعين بسيسو ومحمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وسالم جبران وأجيال تالية.
على أن تيار شعر المقاومة الفلسطيني، لم يكن معزولا عن النهر العربي العام لحركــــة الشعـــر الحر - وإن كان تيارا متميزا فيه - بل كان رافدا نابضا في ذلك النهر، على نحــــو ما تؤكده سطــــور محمود درويش:
"سجِّل
أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسون ألفْ
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيفْ"
وعلى نحو ما تؤكده سطور توفيق زياد التي يتضامن فيها مع سائر الثوار العرب:
"أناديكم
أشدُّ على أياديكم
أبوسُ الأرض تحت نعالكم،
وأقول: أفديكم".
- 7 -
كانت ثورة يوليو في مصر (1952) - كما يقول المفكرون - الحلقة الثالثة والأخيرة من حلقات الثورة الوطنية الديموقراطية المصرية في العصر الحديث.
وبصرف النظر عن صحة هذا القول أو خطئه، فإن ثورة مصر (1952)، كانت نقلة كبيرة في مسار التطور السياسي الاجتماعي الثقافي المصري والعربي على السواء. إذ كانت بؤرة لمجموعة من الثورات والاستقلالات والانقلابات الوطنية في الوطن العربي، سبقتها أو لحقتها بقليل، مثلما وقع في سورية والعراق ولبنان قبل (1952)، وفي الجزائر والسودان بعد (1952).
هكذا كان العقدان الممتدان من منتصف الأربعينيات إلى منتصف الستينيات لائقين تماما بوصف: عقدي ازدهار الحركة الوطنية العربية وإنجازاتها الباهرة.
شكلت ثورة يوليو (1952) إذن قوة دفع هائلة لنشوء ونمو وصعود حركة الشعرالعربي الحر، بما رفعته هذه الثورة من شعارات وتوجهات وإجراءات تجاه حرية الوطن، وكرامة المواطن، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة المستعمر والمحتل، وتذويب الفوارق بين الطبقات، والانحياز إلى البسطاء، وإعلاء "القومية العربية"، والتقدم والاشتراكية، ورفض الاستغلال والإقطاع والاستعباد، وغير ذلك من قيم وأهداف ورؤى، رأى فيها شعراء التجديد القادمون تجسيدا لأحلامهم أو تشكيلا لها، بما يستجيب لأشواق هؤلاء الشعراء - الذين يريدون تحطيم الأطر القديمة وخلق أطر جديدة - في الحرية والعدل والتقدم، على الأصعدة جمعاء.
عندما قامت ثورة (1952)، لم يكن قد مر أكثر من أربع سنوات على صدور قصيدة "الكوليرا" لنازك الملائكة وقصيدة "هل كان حبا" للسياب كلتاهما صدرت عام (1947)، بصرف النظر عن مشكلة سبْق أيام قليلة لنازك أو للسياب، فالريادة ليست مسألة دقائق معدودة، بل مسألة مشروع حفر متواصل".
لكن ثورة يوليو (1952)، هي التي أعطت "الشرعية الثورية" لما سبقها من قصائد الشعر الحر، ولما لحقها من موجات شعرية حرة، اندلعت مدعومة بنظام سياسي "ثوري" يتراسل مع هذه الموجات، تأثيرا وتأثرا، يعطيها مددا وحماية وتشجيعا ومنابر، ويأخذ منها "شرعية جمالية". حتى بدا الأمر كأن ثورة يوليو هي حركة الشعر المجدد الحر بين الأنظمة السياسية، وكأن حركة الشعر الحر هي ثورة يوليو بين الأنظمة الأدبية الشعرية القديمة.
من هنا، حدث تناظر - أو تجادل - بين شعارات الثورة (ثورة 1952)، وسائر الثورات العربية، وبين المضامين الأساسية لحركة الشعر الحر: التحـــرر، العدالـــــة، الفقـــراء، العروبة، كرامــــة الفرد، كراهية الاستعمــــار، البنــــاء والعمل، العمال والفلاحـــــون، التضامــــن النضالي العالمي مع سائر الشرفاء.
ولم يختلَّ هذا التناظر - التجادل إلا في قضية واحدة هي "كبت الرأي وقمع المختلف". ذلك أن هذه الثورة المصرية الوطنية وسائر الثورات العربية الشبيهة، على الرغم من إنجازاتها الوطنية والاجتماعية، ضاقت بالرأي الوطني الآخر، منطلقة من أنها تملك الحق الوحيد والحقيقة الوحيدة. فكان القمع والاعتقال والاستبداد.
لذلك، برزت - إلى جوار الموضوعات السابقة في مضامين الشعر الحر - موضوعة "السجن" والزنزانة والمحقق والمخبر والتعذيب. تجلى ذلك، كأمثلة في شعر البياتي في العراق، وأدونيس وشوقي بغدادي والماغوط في سورية، وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل في مصر، واللعبي في المغرب.
يقول محمد الماغوط في قصيدته "الحصار":
"دموعي زرقاء
من كثرة ما نظرت إلى السماء
وبكيت
دموعي صفراء
من طول ما حلمت بالسنابل الذهبية
وبكيت
فليذهب القادة إلى الحروب
والعشاق إلى الغابات
والعلماء إلى المختبرات
أما أنا فسأبحث عن مسبحة
وكرسي عتيق
لأعود كما كنت
حاجبا قديما على باب الحزن
ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان
تؤكد أنني لن أموت
إلا جائعا أو سجينا".
- 8 -
بتعبيرات المجال السوسيو - ثقافي، نقول: "يمكن أن نعتبر ثورة عرابي (1881) هي ثورة البورجوازية الكبيرة العسكرية. وعلى ذلك كان نتاجها في الشعر هو: نهوض البارودي بمهمة استعادة العافية والمتانة والرّواء لبنية العمود التقليدي للشعر العربي، بعد مراحل انحدار طويلة، وتابعه في إتمام المهمة أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وبدوي الجبل وبشارة الخوري وغيرهم.
ويمكن أن نعتبر ثورة سعد زغلول (1919) هي ثورة البورجوازية المتوسطة المدنية. وعلى ذلك فإن نتاجها في الشعر هو: الحركة الرومانتيكية - داخل العمود التقليدي - التي تمثلت في مدرسة "الديوان" (العقاد وعبدالرحمن شكري وإبراهيم المازني)، ومدرسة "أبوللو" (أبو شادي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وأبو القاسم الشابي)، ومدرسة "المهجر" (جبران ونعيمة وإيليا أبو ماضي وأبو شبكة).
تجسدت النقلة المهمة التي أنجزتها الرومانتيكية (بمدارسها الثلاث) في الانطلاق من الذات تجاوبا مع الثورة البورجوازية المتوسطة التي أعلت قيمة الفرد، بحيث يغدو الشعر تعبيرا عن الشعور، مؤكدة "ألا يا طائر الفردوس، إن الشعر وجدان"، وأن الشعر هو "محاكاة الداخل"، لا "محاكاة الخارج"، كما كانت الحال عند التقليديين السابقين.
وقد تساوق مع هذه المفاهيم الجديدة تحريك قليل لشكل العمود السابق، لتتكون القصيدة من عدة مقاطع يلتزم كل مقطع فيها بوزن مختلف وقافية مختلفة، متخلين بذلك عن وحدة الوزن والقافية طوال النص، كما كانت الحال في الشكل القديم.
ويمكن أن نعتبر ثورة يوليو (1952)، هي ثورة البورجوازية الصغيرة المصرية والعربية، وعلى ذلك فإن نتاجها في الشعر هو: حركة الشعر الحر، التي خطت شوطا أكثر جذرية من الحركة الرومانتيكية السابقة:
- من حيث المضمون، إذ دخلت موضوعات جديدة تبنت ما يمكن تسميته "الرومانسية الثورية"، فيها انطلاق من "الذات" لكنها الذات الممزوجة بالجماعة، وفيها محاكاة للداخل، لكنه الداخل المخلوط بالخارج: الواقع الاجتماعي والشعب وهموم الوطن من زاوية أولى.
- من حيث الشكل، إذ اعتمدت تعدد الوزن وتراوح القافية، وإسقاط وهم اللغة التي هي شعرية ونقية بذاتها، والتحول إلى الأداء البسيط الميسور البعيد عن المعاجم الغليظة، وذلك لإنزال الشعر من السماء إلى الأرض، مع ما يرفد ذلك كله من تلاقح، أو تناص، مع الثقافة واللغة والأساطير الغربية، من زاوية ثانية.
- من حيث "فلسفة الإنشاء الشعري ذاتها"، إذ جسدت حركة الشعر الحر مبدأ ألا ثبات أبديا خالدا لأي صيغة شعرية، لأن الصيغ اقتراح العصور التاريخية والاجتماعية مسقطة بذلك قداسة أي إطار إبداعي ودوامه، مؤكدة أن صيغة الشعر الحر، هي صيغة العصر الحديث، مثلما كانت صيغة العمود التقليدي هي صيغة العصور التقليدية السابقة، من زاوية أخيرة.
يجب، هنا أن أستدرك موضحا: إن ما أجريته من موازاة بين الطور السياسي الاجتماعي والطور الشعري ليست موازاة حديدية تطابقية حرفية صماء، فقد تكون النتيجة سببا والسبب نتيجة. والأصح هو أن العلاقة بينهما علاقة جدلية تفاعلية سريعة أحيانا وبطيئة أحيانا، مباشرة تارة وغير مباشرة تارة. لكن الثابت هو حالة "الأواني المستطرقة"، التي تحكم الوشائج بين الواقع والشعر.
وما التعميمات والمبالغات التي نسوقها، إلا رسوم توضيحية واسعة لتبيان ذلك الحبل السُّري في جدلية الفاعل والمفعول.
- 9 -
إذا كانت التغيرات الشعرية في جانب كبير منها، استجابة للتغيرات الاجتماعية والسياسية، فلماذا تأخرت التحولات الشعرية في مجتمعنا العربي قرنا ونصف القرن بعد بدايات تحول المجتمع العربي إلى النهوض المدني الحديث، منذ بدء القرن التاسع عشر؟
في الإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن نشير إلى عوامل عديدة، سببت ذلك التأخر الذي بلغ مائة وخمسين عاما:
أولا: ليس من الحتم أن تكون استجابة الشعر لتحولات الواقع استجابة فورية ميكانيكية، فتلبية البناء الفوقي لتغيرات البناء التحتي تحتاج إلى بعض الزمن، كي تتفاعل وتتبلور وتنضج.
ثانيا: إن تحول المجتمع العربي نفسه إلى مجتمع مدني حديث، لم يتم في سنوات معدودات قليلات، بل إن هذا التحول نفسه استغرق ما يصل إلى قرنين. كما أن علاقات الإنتاج فيه لم تتغير بشكل شبه ملحوظ إلا مع الثورات التحررية الوطنية في منتصف القرن العشرين، ومع الثبات النسبي لعلاقات الإنتاج طوال القرن التاسع عشر، حتى منتصف القرن العشرين، كان شكل العمود الشعري التقليدي هو الإطار المنسجم مع (والناتج عن) علاقات الإنتاج التقليدية القديمة.
ثالثا: إن دخول تعديلات على الشعر العربي (الشعر العربي بالذات) مسألة صعبة وشاقة، نظرا إلى أنه "ديوان العرب"، مما يعني أنه "سجل الحياة والهوية" وعليه فإن أي تغيير فيه يعد تغييرا للحياة والهوية. ونظرا إلى أن ثباته طوال خمسة عشر قرنا أضفى عليه هالة من الجلال والسكون والرسوخ، ونظرا إلى أن الشعر العربي اكتسب مسحة خفيفة من القداسة التي اكتسبتها اللغة العربية بوصفها لغة القرآن، غدا كل مساس بلغة الشعر أقرب ما يكون إلى المساس بالدين وبالمقدس.
رابعا: يقول مفكرو الاجتماع الثقافي: إن النهضة العربية الحديثة - في القرنين الفائتين - كانت نهضة مشوهة منقوصة، لأنها نشأت في حضن الإقطاع من ناحية، وفي حضن الاستعمار من ناحية أخرى، ومن ثم لم تكن انتقالها من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث انتقالة صافية كاملة جذرية ناجزة (كما حدث مع الثورات البورجوازية الغربية). لهذا، كانت الخطوات النهضوية قليلة جزئية بطيئة متدرجة، وعلى هذا النمط، كانت خطوات التحول الشعري قليلة جزئية بطيئة متدرجة، حتى كانت النقلة الكبيرة مع حركة الشعر الحر، إذ ألقى النشوء المشوه المنقوص للنهضة بظله على حراك الشعر.
خامسا: ومع ذلك، وعلى الرغم من الثبات النسبي لنمط الإنتاج القديم وعلاقاته حتى منتصف القرن العشرين، لم تخل هذه الفترة من تململات وتذبذبات بسيطة داخل الإطار القديم، انعكست على الشعر في تململات وتذبذبات بسيطة، من مثل التنوع الذي شهده شعر الأندلس، ومن مثل أنماط شعرية جديدة، كالدوبيت والمخمسات، والبند العراقي والكونكان والموشح، والمقطعات والرباعيات، وغير ذلك من أساليب لم تكن معروفة في السياق العمودي القديم.
إن أبرز تجليين لهذه التململات والتذبذبات التي اعتورت النظام الشعري القديم هما - عندي - تجربة "شعر النثر"، عند المتصوفة، وتجربة "البديع الشكلي" في العصور المملوكية.
فقد كانت تجربة شعر النثر عند المتصوفين الإسلاميين (وهي التي أعتبرها شعرا من الشعر)، خروجا على المنظومة الأخلاقية للفلسفة العربية، وخروجا على النظام الجمالي والبلاغي واللغوي العربي. وقد ربط بعض علماء الاجتماع الثقافي المستنيرين وبعض المفكرين التقدميين مثل حسين مروة والطيب تيزيني وجلال فاروق الشريف، بين التجربة الصوفية العربية "بانشقاقها الفلسفي والأخلاقي والجمالي"، وبين بعض الظواهر الرأسمالية الجنينية في رحم النظام العربي التقليدي في العصور الوسيطة.
وفي زعمي أن هذه التجربة الصوفية الانشقاقية كان لها حضور باذخ في حركة الشعر الحر، استلهاما لقيمها اللغوية، واستحضارا "لإشراقها" الروحي، واستفادة من فيوضها الجمالية الكاسرة. وهو ما تجلى عند الكثيرين من رواد حركة الشعر الحر، مثل أدونيس وأنسي الحاج ومحمد عفيفي مطر. كما تجلى عند جيل الحداثة التالي للرواد (مما يسمى جيل السبعينيات)، مثل قاسم حداد وأمجد ناصر، وعبده وازن (الذي حقق ونشر ديوان الحلاج)، وأحمد طه وفريد أبو سعدة ومحمد أبو دومة.
لنقرأ نص أدونيس عن "النِّفَّري":
"ساوتني شمسي بالأشجار
وبالأنهار
وبالبؤساء/ سلوها
كيف نفتني
نشرتني في الطرقات وفي لهجات الغربة
حرفا حرفا
لا تسلوها
أسلمت لتيه الشمس خطاي
رضيتُ لوجهيَ هذا المنفى".
كما كانت تجربة "البديع الشكلي" في العصور المملوكية (هذه التجربة المغبونة) تململا لافتا في العمود التقليدي القديم، بما قدمته من ترصيعات ومحسنات وزخرفات وتزاويق شكلانية وألاعيب لغوية وأسلوبية.
وعندي أن تجربة "البديع الشكلي" تستحق أن نرد إليها الاعتبار التاريخي والأدبي، وذلك لسببين:
الأول: هو أن اضطراب هذه التجربة وحذلقاتها وارتباكها وضعفها كانت تعبيرا عن تقلب التربة الاجتماعية والسياسية والحضارية، واضطراب البنى التحتية والفوقية، في لحظة انتقال مفصلية كبيرة، يغادر فيها المجتمع نمطه القديم ويتأهب للذهاب إلى النمط الحديث، حين تنتهي الحقبة المملوكية، ويصعد محمد علي إلى عرش مصر.
والثاني: هو أن هذا البديع الشكلي والترصيع التزويقي لم يكن - فحسب - محض لعب مجاني، بل كان في الجانب الأعظم منه، لونا من ألوان "التقية"، و"القناع"، بغرض الهروب من بطش المماليك وسوطهم اللاهب. ومن هذا المنظور فإن أدب العصر المملوكي هو على نحو من الأنحاء، "شعر مقاومة"، على عكس الظن الشائع الظالم فــــيه، وإن كانت مقاومـــــة سلبية قليـــلة الحيلة، شأن مقاومة المستضعفين.
ولقد وصلت أصداء من تجربة أدب العصر المملوكي، بما فيها من تجريب شكلي وتقية رمزية، إلى حركة الشعر الحر، التي طورت البديع الترصيعي إلى أساليب تشكيلية وتركيبية ناضجة، وطورت التقية إلى عناية فائقة بالرمز والمجاز، والإيحاء، لكي يظل للنص إشعاع متجدد ودلالة متوالدة. (نجد أمثلة لذلك عند محمد عفيفي مطر وحسن طلب ورفعت سلام ومحمد الطوبي).
- 10 -
كان الاحتكاك بالثقافة العالمية (سواء بالاتصال المباشر أو عبر الترجمات)، ذا أثر بالغ في نشوء وازدهار ثورة الشعر العربي الحديث، إذ عن طريق هذا الاحتكاك تعرف المثقفون والشعراء العرب على ثلاث مدارس إبداعية جمالية باهرة، نهلوا منها وتفاعلوا معها - عبر خصوصيتهم المحلية والعربية - لتصبح هذه المدارس الثلاث، منفردة أو مجتمعة، ركنا ركينا من المكونات المعرفية والإبداعية لحركة الشعر العربي الحر.
المدرسة الأولى: هي "الواقعية الاشتراكية"، التي مثلها شعراء عديدون أمثال نيرودا وناظم حكمت وايفتشينكو ومايا كوفسكي وإيلوار وأراجون ولوركا ورفائيل ألبرتي وحمزاتوف وفاتبزاروف.
كان الظرف كله ملائما لهذا الاحتكاك: ازدهار المعسكر الاشتراكي العالمي، زهوة ساطعة لحركات التحرر في العالم، ونظم وطنية عربية ترفع شعارات الاشتراكية والحرية والعدل (دعك من التطبيق)، أحزاب شيوعية نشطة في العراق وسورية ومصر والسودان.
هكذا تلقَّف الشعراء العرب - والاشتراكيون منهم خاصة - زملاءهم الشعراء التقدميين في العالم، ليناظروا تجربتهم الشعرية الملهمة، ويبذروا رؤاهم - بعد خلق عربي جديد - في التربة العربية المتعطشة لأهازيج التحرر والعدالة والكرامة.
وهنا يمكن أن نلتقط عنصرا من عناصر التأثير في نشوء ثورة الشعر العربي الحديث، وهو شيوع الفكر اليساري - آنذاك - في شطر كبير من العالم، وفي النخبة العربية. والملاحظ أن معظم رواد حركة الشعر الحر العربية كانوا من اليساريين، تنظيميا أو فكريا، أو ما شابه. هنا يمكن أن نصغي إلى عبدالوهاب البياتي وهو يوجه نداء إلى الشاعر الإسباني ألبرتي:
"آخر طفل في المنفى يبكي مدريد، يغني نار الشعراء الإسبان المنفيين الموتى: لوركا - ماتشادو، آخر عملاق في معطفه يبكي، تحت النجم القطبي، وتحت الثلج، وقفنا بجوار عمود النور، وكانت "روما تبحث عن روما"، ناديتك: ألبرتي. فأجاب الشعر، أضاء: البرق الكامن في سحب كانت تمضي نازفة في ليل المنفى، كل عذابات الإسبان، أجابت: روما، وأجابت: موسيقى البحر الوحشية، كنا أطفالا أوغلنا في الغابة، لكن الموسيقى هدأت والبحر توارى في كتب كانت تحكي عن نور يأتي من داخل "توليدو"".
المدرسة الثانية: هي "الصوفية العربية". ومن الغرائب هنا أن غالبية الشعراء العرب لم يتصلوا بهذه التجربة الثرة في تراثنا العربي الإسلامي القديم، إلا بعد أن كشفها للعالم كله المستشرقون الغربيون، عبر تحقيقات وترجمات وتحليلات ضافية (من هؤلاء: نيكلسون وبروكلمان وماسينيون ونللينو).
وباعتناء أدونيس بهذه الترجمات والتحقيقات التي قام بها المستشرقون، انفتح نبع فياض أمام الشعراء العرب، صاروا يرون في معينه الدافق سندا قويا (من قلب خصوصيتنا العربية) لسعيهم نحو تجديد اللغة والمخيلة والصور والعلاقات الجمالية، حتى لقد صارت قطع من "المواقف" للنفري، ومن "طواسين" الحلاج، ومن "الفتوحات المكية"، لابن عربي، ومن "مثنوي" جلال الدين الرومي، "منصاتٍ" للعديد من الشعراء العرب رواد قصيدة الشعر الحر، ينطلقون منها: عبر القناع، أو عبر التناص، أو التماهي، أو التقمص، أو عبر "ضبط وإحضار"، الشاهد الصوفي - شخصا أو نصا - للمثول في قلب العصور الراهنة.
وقد بلغ تغلغل المتصوفين الإسلاميين في الشعر الحر درجة من التمكن والانتشار، جعلتني - في قطعة قصيرة لي - أتأسى على هذا الوضع قائلا:
"لماذا استغللنا النِّفرىَّ
إلى هذا الحد؟
واستخدمناه كبوسطجي؟
هل نحن جبناء؟
لا بد أننا سنواجه مأزقا
يوم أن تنفد نصوص الصوفيين.."
المدرسة الثالثة: هي "السريالية الفرنسية"، التي نشأت في فرنسا وأوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، مما يعني أنها استمرت إلى أن تماست زمنيا مع بدء ثورة الشعر العربي الحديث، في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين.
كان من أقطاب هذه المدرسة أندريه بريتون وإيلوار وأراجون وجورج سادول وكريفل وغيرهم. وساعد وجود جورج حنين (المصري) بين أقطاب السريالية الكبار على شعور الشعراء العرب بأن لديهم مساهمة عربية في هذه المدرسة الثائرة الفائرة.
كانت للسريالية "كاريزما" أخاذة: بما قدمته من تحرير للخيال تحريرا غير مسبوق، ومن تهشيم للمنطق المنطقي، ومن تحطيم للواقع الواقعي، ومن لغة مولودة من الوعي الباطني التحتاني، لا من الوعي العقلي الخارجي، ومن انفجار الحلم.
بعض من ذلك نجده في السطور الآتية من أنسي الحاج، التي جسد فيها نظرية "كيمياء الكلمة"، التي أطلقها بريتون:
"يبدو أكثر حين يتكلم
يعقد لواؤه لامرأة
سيخونها وتخونه
وبثيابه الملمعة لبعض الرسوم للسياح
يعكس الينابيع صدفة
يستضيفك في كهف الغرائر
إذن هناك بشر يعيشون
لن يلتقوه،
لكن الذين يعيشون
سيتلاقون
تعلم الموسيقى كالجندي
كالجندي
تعلم الموسيقى
ليقهر الجندي
وعندما قهره
تعلم الجندي ليقهر الموسيقى".
وكان حضور السريالية الفرنسية يزداد توغلا في حركة الشعر العربي الحر، كلما اكتشف الشعراء الرواد العرب صلة قربى بين السريالية والواقعية الاشتراكية من جهة، وكلما اكتشفوا صلة قربى بين السريالية والصوفية العربية من جهة ثانية.
أما صلة القربى بين السريالية والواقعية الاشتراكية، فهي راجعة إلى اتفاقهما في تكريس تحرر البشر، وإعلاء كرامة الإنسان، أي في الذهاب - حسب الجملة الشهيرة - "من مملكة الضرورة إلى ملكوت الحرية".
وقد تأكدت هذه الوشيجة القريبة عبر إيلوار وأراجون، اللذين كانا قاسما مشتركا بين المدرستين. وجوهر الوشيجة هنا أن السريالية كانت "جراحة تجميل" للواقعية الاشتراكية، بهدف إزالة الزوائد الجامدة المباشرة الفجَّة، وذلك على نحو ما كانت "التروتسكية" التي انتمى إليها معظم رواد السريالية "جراحة تجميل" للماركسية الستالينية، بهدف إزالة الزوائد العقائدية الحديدية القابضة.
أما صلة القربى بين السريالية والصوفية العربية، فهي راجعة إلى اتفاقهما في أولوية القلب والذوق والحس، لا العقل والوعي والمعرفة، وفي توهج الرؤية والكشف، وفي البــــدء مـــن البصــــيرة، لا البصر. فكأن "الوقفة" الصوفية هي لحظة سريالية صافية، وكان "الدفق التلقائي"، السريالي هو لحظة صوفية صافية.
وقد صارت القربى بين الصوفية والسريالية حقيقة ثقافية نابضة من حقائق الحركة الشعرية العربية الحديثة، بعد جهود أدونيس المتوالية في تأكيد هذه القرابة.
وهي الجهود التي تبلورت في كتابه المهم "الصوفية والسريالية"، الذي أقام فيه عديدا من التناظرات والموازيات - التي كان بعضها متعسفا - بين رؤى الصوفيين العرب القدماء ورؤى السرياليين الفرنسيين المحدثين، مشيرا بحق إلى تأثر هؤلاء المحدثين بأولئك القدماء.
- 11 -
هنا تلزم الإشارة إلى ثغرتين قاتلتين عانى منهما مسار الثورة الوطنية المصرية والعربية. وقد ألقت هاتان الثغرتان القاتلتان بظلهما المعوّق على بلوغ النهضة العربية إلى غاياتها المنشودة، وبلوغ حركة الشعر العربي الحديث ذراه المنتظرة.
هاتان الثغرتان هما: ثغرة "غياب الديموقراطية" في حلقات النهضة، وثغرة "تردد البورجوازية الصغيرة" التي قادت حلقة النهضة الأخيرة.
أما الثغرة القاتلة الأولى، فتتمثل في واقعة إقدام محمد علي - باني الدولة الوطنية الحديثة - على قتل المماليك المعارضين في مذبحة القلعة، فضلا عن نفيه للطهطاوي.
ويتكرر هذا الفصل الضار بين المسألتين الوطنية والديموقراطية في ثورة 9191، حينما وقف سعد زغلول الزعيم الوطني ضد طه حسين في قضية كتابه "في الشعر الجاهلي"، ثم تكرر هذا الفصل أثناء ثورة عبد ناصر بعد (1952)، حينما أعطى بلاده حرية الوطن وأخذ حرية المواطن والمثقف.
وقد كانت هذه الثغرة "غياب الديموقراطية" (أو عدم إدراك العلاقة الحتمية بين حرية الوطن وحرية المواطن) سببا رئيسيا من أسباب تعثر النهضة العربية الحديثة، لأن الديموقراطية شرط التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية.
وأما الثغرة القاتلة الثانية، فتتمثل في حالة الثورة المصرية الناصرية (ومثيلاتها من الثورات العربية في العراق وسورية والجزائر واليمن)، حيث يؤدي "تردد" البورجوازية الصغيرة الوطنية الحاكمة إلى "تناقضين" قاصمين:
أولهما التناقض الأيديولوجي والاجتماعي والسياسي، إذ تتبنى النظرية ونقيضتها، وتقرر المشروعات التقدمية وتفرغها من مضمونها الثوري: فتختار الدولة المدنية، ثم تنص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة، وتنشئ القطاع العام في سبيل الاشتراكية والشعب، ثم تجعل رجالها يحولونه إلى رأسمالية دولة. تقيم الاتحاد الاشتراكي، ثم يتحول إلى حزب السلطة السياسية الواحدة (كمثل الجبهة الوطنية الشكلية في العراق وسورية).
وثانيهما: التناقض الثقافي والجمالي، إذ تدعو إلى الثقافة الراديكالية والفكر الثوري والإبداع المجدد المضيء، مشجعة في ذلك الشعر الحر والتوجهات الجريئة في الأدب، ثم تضيِّق الخناق على أصحاب الثقافة الراديكالية، وتطارد أهل الفكر الثوري، وتدفع برواد الشعر الحر إلى المعتقل (البياتي وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر في العراق، وعبدالرحمن الشرقاوي، ونجيب سرور وحجازي في مصر، وشوقي بغدادي في سورية، واللعبي في المغرب)، وتضع خصوم الفكر الحر والشعر الحر على رأس المنابر والمؤسسات الثقافية.
لذلك، صاح أحمد عبدالمعطي حجازي في أوج شعارات الاشتراكية الناصرية (1962):
"لو أنني - لا قدّر الله -
سجنت، ثم عدتُ جائعا
يمنعني من السؤال الكبرياءْ
فلن يرد بعض جوعي واحدٌ
من هؤلاءْ
هذا الزحامُ.. لا أحد!".
ولا ريب عندي في أن هاتين الثغرتين (وهما متداخلتان متضافرتان)، قد شكلتا عوامل كبح عطلت المسيرة الصحية لحركـــــة النهضــــة العربية الحديثة عبر قرنين طويلــــين: إذ منعــت المفاهيـــم المدنيــــة - الليبرالية والعقلانية - من السريان الطبيعي في عروق المجتمع، كما منعت تراكم المحطات التنويرية لتشكيل قفزات كيفية، مما سبب حالة "العود على بدء" المتكررة في دوائر معادة، ومنعت ازدهار مبدأ التعدد - مبكرا - في الفكر والشعر، وعطلت الاتصال المباشر بين النخبة والجماعة في الفكر والسياسة والشعر. كل ذلك أعطى التيارات المحافظة في كل مراحل النهضة أرضا وسندا وشرعية، تمكنت بها من أن تزاحم وتغالب "فتغلب أحيانا"، القوى المنيرة المتحركة. والحصيلة في كل هذا المسار المضطرب المتذبذب هو هذه الحقيقة التي نرددها جميعا، وهي تعثر النهضة العربية الحديثة بالقياس إلى الأمم التي بدأت معنا زمنيا مشوار نهوضها الحديث.
- 12 -
" هل قصيدة النثر جزء أصيل من ثورة حركة الشعر الحر؟
سأجيب من فوري: نعم. وأفصِّل كما يلي:
درج كثير من مؤرخي الشعر العربي الحديث ودارسيه، على تجاهل فرع أساسي من فروع هذه الشجرة الحديثة، هو قصيدة النثر. وينطلق هذا التجاهل - غير الصائب - من اعتقاد يرى أن قصيدة النثر ليست طورا طبيعيا من أطوار مسيرة القصيدة العربية الحديثة، أو أنها - في أفضل حال - ينبغي أن تدرس على حدة، بوصفها ظاهرة خارج النسق.
والحق أن قصيدة النثر، ليست شذوذا على نسق الشعر العربي، بل إن لها جذورا بعيدة في التجربة الإبداعية العربية القديمة، كما أنها ليست وافدا غربيا غريبا على بيئتنا العربية - كما يقول قائلون - وإن كانت قد استفادت بلا ريب من الاحتكاك بالثقافة الغربية في العقود الأخيرة، مثلما استفادت حركة الشعر الحر نفسها - وكل منشط ثقافــــي وإبداعـــي عربــــي - من الاحتكاك بالثقافة الغربية.
ونحن نعرف أن هناك فنونا عربية (مثل المسرح والرواية والقصة القصيرة)، نشأت في العصر الحديث بعد الاحتكاك بالثقافة الغربية، ولم يُخرج أحد هذه الفنون المستحدثة من دائرة الإبداع العربي الأصيل.
ويمكننا - بقليل من السماحة والتعميم والرحابة - أن نجد بذورا جنينية وأولية لقصيدة النثر في تراثنا العربي القديم، ومثالنا الأبرز على ذلك هو نثر المتصوفة المسلمين (وليس شعرهم الموزون المقفى)، كما يتجلى في كتابات ابن عربي والنفري والبسطامي والسهروردي وفريد الدين العطار.
كما أن الكثير من نصوص علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأبي حيان التوحيدي وإخوان الصفا والجاحظ، هي نماذج عالية من قصيدة النثر، في إطارها الجنيني الأولي، حتى لو كان كل هؤلاء أنشأوا نصوصهم داخل تصنيفات ليس من بينها باب "قصيدة النثر".
وقد واكبت قصيدة النثر، كجزء عضوي من جسم القصيدة العربية، تطورات المجتمع العربي السياسية والاجتماعية والثقافية، تأثرا وتأثيرا، حتى قبل ازدهارتها الأخيرة منذ خمسينيات القرن العشرين، إذ شهدت العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين تجليات عديدة لقصيدة النثر، في مصر والعالم العربي، نذكر منها: بدر دومط وخليل شيبوب، ثم تنظيرات - أو إنتاج - أحمــد زكــي أبو شادي وخليل مطران، وحسين عفيف ومحمد فريد أبي حديد، وعلي أحمد باكثير وأمين الريحاني وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة ومحمد منير رمزي ولويس عوض وإبراهيم شكر الله وبدر الديب وغيرهم.
وكانت الخمسينيات هي اللحظة التي استوى فيها وجود قصيدة النثر تنظيرا وإبداعا، وذلك لأسباب عديدة، من أهمها تعرف شعراء سورية ولبنان على كتاب سوزان برنار - الكاتبة الفرنسية - "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا"، والاستفادة بكثير من تحليلاته النقدية في شرح ماهية قصيدة النثر، وقد تجلى هذا الاستواء النظري والإبداعي في تنظيرات مجلة "شعر" ونصوص أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال ومحمد الماغوط وسنية صالح وشوقي أبي شقرا.
والحق أن قصيدة النثر قد خطت خطوة أبعد من خطى قصيدة الشعر الحر، بتركها العروض الخليلي كلية، واتكائها على الموسيقى المضمرة التي تتولد من "التوتر، والإيجاز، واللاتنظيم"، وهي الخصائص الرئىسية - عند برنار- لقصيدة النثر.
وعندي أن هذه الخطوة الأعمق - التي خطتها قصيدة النثر أبعد من قصيدة الشعر الحر - هي سبب من الأسباب الرئيسية التي أبعدتها عن قلب المشهد الشعري العربي في تلك المرحلة.
إذ لم ترق هذه الخطوة الأبعد لرواد حركة الشعر الحر، الذين رأوا فيها سلوكا جماليا أكثر جذرية من سلوكهم الجمالي، فأبعدوها عن بؤرة المسرح.
كما لم ترق هذه الخطوة الأعمق للنظام الوطني الثوري العربي، الذي رأى نفسه مطابقا لحركة الشعر الحر، من حيث الرؤية (تعديل الأطر القائمة من دون الخروج الكامل عليها)، ومن حيث الهيكل (نقد الأشكال لا نقض الأشكال)، فأبعدها عن بؤرة المسرح، برفع حمايته عنها، وهي الحماية التي أسبغها على حركة الشعر الحر، المتوائمة معه في "سقف" التغيير الثوري: في الشعر وفي المجتمع.
ثم إن هذه الخطوة الأعمق لم تَرُق - وهذا منطقي - لدعاة التقليد والثبات في الشعر، إذ هم في الأصل رافضون لتجديدات قصيدة الشعر الحر، ناهيك عن قصيدة النثر، فأبعدوها عن بؤرة المسرح، ضمن إبعادهم للحركة التجديدية برمتها، فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وعلى الرغم من هذا التحالف الثلاثي (رواد الشعر الحر، والنظام الوطني الثقافي، والتقليديين) ضد حضور قصيدة النثر، شقت هذه القصيدة طريقها إلى بؤرة المشهد الشعري العربي: نتيجة لقوة وثبات قادتها من عقد الخمسينيات من ناحية، ونتيجة لانزواء رواد حركة الشعر وخفوت صوتهم المهيمن، من ناحية ثانية، ونتيجة لتسليم معظم التقليديين بأنهم صاروا خارج العصر، من ناحية ثالثة، ونتيجة لانهزام وتهلهل الأنظمة الوطنية سياسيا واجتماعيا وثقافيا، من ناحية رابعة، ونتيجة لتبني الأجيال الشعرية التالية لقصيدة النثر، واتخاذها دربا جماليا من ناحية خامسة، ونتيجة لتغيرات الزمن المضطرب وانهيار الواحدية والثبات والوزن "أو الاتزان أو الميزان" فيه، من ناحية أخيرة.
والشاهد، أنه منذ بدء ثورة الشعر العربي الحديث، في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، كانت هناك حالة دائمة من "التراسل"، أو التداخل بين شقي هذه الثورة: الشعر الحر وشعر النثر. فأنت واجد في كثير من الشعر الحر بعض سمات من شعر النثر (كما عند نزار قباني وسعدي يوسف وعبدالصبور ومحمود درويش وسركون بولص)، كما أنك واجد في كثير من قصيدة النثر سمات من الشعر الحر (كما عند أدونيس والماغوط وإبراهيم شكرالله وقاسم حداد وعباس بيضون".
ليس ثمة - إذن - فواصل حديدية باترة بين الشكلين، وإن اختص كل منهما بملامح مائزة، وإن صارت قصيدة النثر في العقود الأخيرة مُلوِّنة مناخ الكتابة الشعرية الراهنة.
- 13 -
ليس معنى كل ما تقدم، أن التطورات السياسية والاجتماعية هي التي تصنع ثورات الشعر، فثورات الشعر لا يصنعها سوى الشعراء.
والتطورات السياسية الاجتماعية، ما لم تواكبها مواهب شعرية عارمة، ستظل تطورات مجتمعية محضة، لا شعر فيها ولا منها ولا لها.كما أن المواهب الشعرية ما لم تواكبها تطورات مجتمعية، ستظل شعرا جميلا، غير صانع لتحولات شعرية مفصلية.
هكذا، فإن المواكبة بين التطورات الكبيرة والمواهب الكبيرة، هي المجلى الناصع للفكرة الناصعة، التي هي: الجدل.
الهوامش
(1) البحث، ص 12.
(2) البحث، ص22.
(3) البحث، فقرة رقم 01.
(4) البحث، ص 12.
(5) البحث، ص23.
(6) هشام شرابي "المثقفون العرب والغرب"، مواطن متفرقة.
(7) عزت قرني "العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة" - الباب الثاني.
(8) هشام شرابي، المرجع السابق، مواطن متفرقة.
(9) هشام شرابي، المرجع السابق، مواطن متفرقة.
(01) نذير العظمة، مدخل إلى الشعر العربي الحديث، ص 01 - 51.
(11) نذير العظمة، المرجع السابق، ص 61 و71.
(12) نذير العظمة، المرجع السابق، ص241، وانظر ما كتبه د. عبدالعزيز المقالح عن هذا الرائد.
(13) نذير العظمة، المرجع السابق، ص01.
(14) علي شلش، اتجاهات الأدب ومعاركه في المجلات الأدبية في مصر، مواطن متفرقة.
(15) إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص22.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق